صديق الحسيني القنوجي البخاري
103
فتح البيان في مقاصد القرآن
وأما التمسك لمن قال بأن هذا الإسراء إنما كان بالروح على سبيل الرؤيا بقوله وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ [ الإسراء : 60 ] فعلى تسليم أن المراد بهذه الرؤيا هو هذا الإسراء فالتصريح الواقع هنا بقوله سبحانه الذي أسرى بعبده ليلا ؛ والتصريح في الأحاديث الصحيحة الكثيرة بأنه أسرى به لا يقصر عن الاستدلال به على تأويل هذه الرؤيا الواقعة في الآية برؤية العين ، فإنه قد يقال لرؤية العين رؤيا . وكيف يصح حمل هذا الإسراء على الرؤيا مع تصريح الأحاديث الصحيحة بأن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ركب البراق ، وكيف يصح وصف الروح بالركوب ، وهكذا كيف يصح حمل الإسراء على الرؤيا مع تصريحه صلّى اللّه عليه وسلّم بأنه كان عند أن أسري به بين النائم واليقظان ، فالأولى ما ذهب إليه الجمهور إذ لا فضيلة للحالم ولا مزية للنائم . وقد اختلف أيضا في تاريخ الإسراء فروي أن ذلك كان قبل الهجرة إلى المدينة بسنة ، وروي أن الإسراء كان قبل الهجرة بأعوام ، ووجه ذلك أن خديجة صلت مع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وقد ماتت قبل الهجرة بخمس سنين ، وقيل بثلاث ، وقيل بأربع ، ولم تفرض الصلاة إلا ليلة الإسراء وقد استدل بهذا ابن عبد البر على ذلك . وقد اختلفت الرواية عن الزهري وممن قال بأن الإسراء كان قبل الهجرة بسنة . الزهري في رواية عنه ، وكذلك الحربي فإنه قال : أسري بالنبي صلّى اللّه عليه وسلّم ليلة سبع وعشرين من ربيع الأول قبل الهجرة بسنة . وقال ابن القاسم في تاريخه : كان الإسراء بعد مبعثه بثمانية عشر شهرا ، قال ابن عبد البر : لا أعلم أحدا من أهل السير قال بمثل هذا ، وروي عن الزهري أنه أسري به قبل مبعثة بسبعة أعوام ، وروي عنه أنه قال : كان قبل مبعثه بخمس سنين ، وروى يونس عن عروة عن عائشة أنها قالت : توفيت خديجة قبل أن تفرض الصلاة . واعلم أنه قد أطال كثير من المفسرين كابن كثير والسيوطي وغيرهما في هذا الموضع بذكر الأحاديث الواردة في الإسراء على اختلاف ألفاظها وما يتعلق بها من الإحكام وما قال أهل العلم فيه وما ظهر بعد المعراج من الآيات الدالة على صدقه . وليس في ذلك كثير فائدة فهي معروفة في مواضعها من كتب الحديث ، وهكذا أطالوا بذكر فضائل المسجد الحرام والمسجد الأقصى وهو مبحث آخر ، والمقصود في كتب التفسير ما يتعلق بتفسير ألفاظ الكتاب العزيز وذكر أسباب النزول وبيان ما يؤخذ منه من المسائل الشرعية ، وما عدا ذلك فهو فضل لا تدعو إليه حاجة . وَآتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ أي التوراة قيل والمعنى كرمنا محمدا بالمعراج وأكرمنا موسى بالكتاب قال الشهاب : عقبت آية الإسراء بهذا استطرادا بجامع أن موسى أعطي التوراة بمسيره إلى الطور وهو بمنزلة معراجه لأنه منح ثمة التكليم وشرف باسم الكليم